Responsive image
Download as PDF View Full PDF
Responsive image Responsive image
المحتويات
مقدمة رئيس التحرير
(Download PDF) الموصلية الفائقة ومستقبل التقانة

 

 

مقدّمة رئيس التحرير

 

 

يسرّني أن أرحّب بقرّاء العدد الثاني -ربيع 2024- من مجلّة "مسارات في الفيزياء" الصادرة عن الجمعيّة العربيّة للفيزياء، وأتقدّم بجزيل شكري لمن ساهم وساعد في إتمامِه.

مرّت ثلاثة أشهر على افتتاح مجلّتنا، وتباينت ردود الفعل إزاءها، وإن كان أغلبُها إيجابيّا، ونحن لا نزال بانتظار مقترحاتكم حول بنيتِها وطبيعة المواضيع المطروحة والسويّة المطلوبة. انضمّ خلال هذه الفترة أربعةُ باحثين إلى فريق التحرير، ما ساعد في تنظيم وتأطير العمل، وكلّنا أمل بأن هدف المجلّة المنشود سوف يتحقّق مع ازدياد خبرتنا وتفاعلنا مع المشتغلين بالعلْم في مجتمعنا العربي. ����

يركِّز العدد الراهِن على فيزياء النِّترينو، هذا الجسيم التالي للفوتون وفرةً في الكون، والذي لم يتمّ الاستدلال على وجود كتلة غير معدومة له إلاّ منذ ربع قرنٍ بالرغم من اقتراح وجوده قبل تسعة عقود والكشف عنه تجريبيًّا بعد ذلك بعقدَين. تُعَدّ قصةُ البحث عنه ملحمةً من ملاحِم نضال الإنسان في سبيل الكشف عن أسرار الكون، ومع ذلك فحتى الآن لم نستطِع سبرَه مباشرةً ولا قياس كتلته، بل يتمّ الاستدلال على وجوده من خلال مساهمته في قوانين المصونية لا غير، وذلك بسبب تآثراته الضعيفة جدًا.

أجرينا في هذا العددَ مقابلةً مع العالِمة المصريّة-الأمريكيّة ماري بيشاي المتحدّث الرسمي لتجربة الـنترينو عميقًا تحت الأرض DUNE، إحدى أضخم مشاريع التعاون العلمي في العالَم الهادفة إلى الكشف عن النِّترينو وفيزيائه، وهي -حسب اعتقادنا- مقابلة ستُغني القارئَ سواءٌ أكان ذلك في الأفكار الاجتماعيّة التي تضمّنتْها أم في المفاهيم العلميّة التي نوقشت بطريقة بسيطة ولكن عميقة. تمّ اختيارُ المقال الرئيس بشكلٍ متوافق ليقدِّم للقارئ أساسيّات فيزياء النِّترينو، بينما تناولت مقالات ثلاثة أخرى مواضيع الخلايا والطاقة الشمسيّة، والموصّليّة (الناقليّة) الفائقة، والشوّاش مع الكسوريّات. المقال الخامس كتبه باحث شابّ في مجال الضوء الكمومي وعلاقته باختبارات أسس ميكانيك الكمّ، وهي فرصة لأعود وأدعو طلاّبنا الأعزّاء في المرحلة الجامعيّة والدراسات العليا ألاّ يتردّدوا في الكتابة إلينا.

يضمّ العدد كالعادة بابَ أخبارٍ علميّة ركّزت على آخر تطوّرات استكشاف الفضاء، أمّا باب المعلومات الإثرائيّة، المُوجَّهة خصّيصًا لطلاب المرحلة الجامعيّة الأولى أو مرحلة الدراسات العليا، فيتضمّن من بين ما يحويه من معارف شرحًا لظاهرتَين في فيزياء النِّترينو، هما آليّة الأرجوحة لتوليد الكتلة وإشعاع الخلفيّة الكوني النِّترينُوِي، وإعلانًا عن مؤتمرٍ حول النِّترينو والمادة المظلمة سيقام قريبًا في مصر، بالإضافة إلى عرضٍ لكتابَين -واحدهما تبسيطي والآخر أكاديمي-، وإيراد حلِّ مسألةِ العدد السابِق وتقديم مسألة جديدة.

في الختام، أعود وأقدِّم كامِل شكري لكلّ من ساهم بإخراج هذا العدد إلى الضوء، وبانتظار مساهماتكم في عدد صيف-2024 اللاحق.��

�������������������������������������������������������������������� نضال شمعون

 

 

Default Normal Template

النيوترينو :الجسيم الشبح

السيد إبراهيم لاشين، أستاذ فيزياء الطاقة العالية في جامعة عين شمس، مصر

 

أوّلًا) تمهيد عن النيوترينو:

يُعدّ النيوترينو من أكثر الجسيمات الماديّة المعروفة وفرةً في الكون، إذ تفوق أعدادُه جميع الجسيمات الماديّة الأخرى المعروفة وبما يعادل مليارات الأضعاف. النيوترينو متواجد في كلّ مكان، فالشمس مثلًا تقوم بإنتاج النيوترينو بحيث أن مليارات منه تعبر كلَّ سنتمترٍ مربِّع من مساحة أبداننا خلال الثانية الواحدة. ليس هذا الأمر مقصورًا على الشمس وحدها، بل إن جميعَ النجوم تقوم مثل الشمس بإنتاج جسيمات النيوترينو، وإطلاقِها في الفضاء المحيط بها. تقوم الشمس بعملها هذا بدأبٍ منذ ما يقرب من خمسةِ ملياراتٍ من السنين -وهذا هو عمر الشمس- حتى الآن. ليس هذا فحسب، بل توجد نيوترينُوات (نيوترينوهات) هائمة في الكون يعود أصلها إلى الانفجار العظيم الذي تمّ منذ ما يقرب من أربعة عشر مليار سنة وأدّى إلى نشأة الكون. يبلغ الآن عددُ هذه النيوترينُوات التي يعود أصلها إلى الانفجار العظيم ما يقرب من 400/cm3، وهو يعادل تقريبًا عدد فوتونات الخلفيّة الإشعاعيّة الكونية التي انبثقت من الانفجار العظيم.

�������� يتمّ إنتاج النيوترينو أيضاً من خلال تفاعلات الأشعة الكونيّة مع الغلاف الجوّي المحيط بالأرض، فالقشرة الأرضية بصخورها تُنتِج جسيمات نيوترينو من خلال تحلّل العناصر المُشعّة بها، وحتى أبداننا نفسُها تنتج جسيمات نيوترينو من خلال تحلّل النظائر المشعّة في أجسادنا من أمثال الكالسيوم والبوتاسيوم. باختصار، جسيمات النيوترينو موجودةٌ حولنا وفي كلّ مكان وبوفرة، ولو قُدِّر لنا أن نرى بواسطة عيوننا جسيماتِ النيوترينو لأصبح نهارُنا سرمديًّا، فحمدًا لله على ذلك. أيضًا، يجب ألاّ ينتابنا القلق بشأن جسيمات النيوترينو التي تخترق أجسادنا ليلًا ونهارًا، فهي تعبر أجسادنا ولكنها تقريبًا لا تتفاعل معها، لأن تفاعلاتها ضعيفة جدًّا كما سنرى لاحقا. الحياة نفسُها نشأت على الأرض في ظلّ هذا الفيض الغامِر من جسيمات النيوترينو، ولم يلحقها أيّ ضرر. إن تفاعلات جسيمات النيوترينو الضعيفة للغاية تجعلها بمثابة شبحٍ لدرجة أنه لو مرّ نيوترينو في طبقةٍ من الرصاص سمكُها سنة ضوئيّة، فهناك احتماليّةٌ مقدارُها خمسون بالمائة أن يصطدم بشيءٍ ما خلال هذه الرحلة.

 

ثانيًا) النيوترينو من وجهة نظر النموذج القياسي للجسيمات الأوّليّة:

النموذج القياسي للجسيمات الأوّليّة هو النموذج المقبول لوصف الجسيمات الأوّليّة وتفاعلاتها المتبادلة. يحتوي هذا النموذج على اثني عشر جسيمًا أوّليّاً، وتنقسم هذه الجسيمات إلى مجموعتَين من الكواركات واللبتونات. أمّا عن الكواركات فهي تضمّ ستّة أنواع وهي علوي (u) وسفلي (d)، ومسحور (c)، وغريب (s)، وقمّة (t)، وقاع (b)، وكلّها تتفاعل من خلال القوى القويّة والضعيفة والكهرمغناطيسيّة والجاذبيّة (الثقاليّة). لا تحمل أسماء الجسيمات هذه أيَّ معنى وهي فقط تُستخدم لإيجاد لغة مشتركة بين الفيزيائيين. وأمّا عن مجموعة اللبتونات فهي تضمّ أيضًا ستّةَ أنواعٍ كالتالي، الإلكترون (e)ونيوترينو الإلكترون (νe)، الميون (μ) ونيوترينو الميون (νμ)، التاو (τ) ونيوترينو التاو (ντ). اللبتونات عمومًا لا تتفاعل من خلال القوى القويّة، ولكنها تتفاعل فقط من خلال مجال القوى الضعيفة والكهرمغناطيسيّة والجاذبيّة، وتُستثنى النيوترينُوات بأنها لا تتفاعل من خلال مجال القوة الكهرمغناطيسيّة لأنها غير مشحونة -أي متعادلة- كهربائيًّا.

�������� نعود مرة أخرى للكواركات فنجد أنها تترابط فيما بينها بواسطة القوة القويّة لتشكّل البروتونات والنيوترونات، فمثلًا البروتون يتكوّن من ثلاثة كواركات (uud)، بينما يتكوّن النيوترون من ثلاثة كواركات (ddu)، ويجب أن نلاحظ أن الكواركات لها شحنة كسريّة، بمعنى أن شحنة الكوارك العلوي (u) موجبة وتساوي 2/3 من شحنة الإلكترون وشحنة الكوارك السفلي (d) سالبة وتساوي 1/3 شحنة الإلكترون. تشكِّل البروتونات والنيوترونات أنويةَ (أو نَوَى) الذرّات، وبالتالي تشكِّل معظمَ ما نراه من المادّة المستقرّة المرئيّة في الكون. أمّا بالنسبة للّبتونات المشحونة، فأخفّها من حيث الكتلة هو الإلكترون يليه الميون ثم التاو، والشحنة الكهربائيّة سالبة لكلّ من هذه اللبتونات وتساوي شحنة الإلكترون.

�������� وفي سياق النموذج القياسي للجسيمات الأوّليّة، توجد أيضا حامِلات القوى، مثل الفوتون (γ) حامل القوة الكهرمغناطيسيّة، وبوزونات W, Z حامِلات القوى الضعيفة، والجليونات (g) حامِلات القوى القويّة. علاوةً على ذلك، يوجد جسيم هيجز وهو ضروري لكي تكتسب الجسيمات الأوّليّة وبوزونات W, Z كتلَها المرصودة تجريبيّاً. أمّا عن كتل النيوترينُوات فهي تُعتبر عديمة الكتلة تمامًا في سياق النموذج القياسي للجسيمات الأوّليّة. من هنا نجد أن النيوترينوات تُشكِّل من حيث العدد ربعَ الجسيمات الأوّليّة، وإضافةً إلى وفرتِها الهائلة فإنه يتحتّم علينا أن نفهم خواصَّها من أجل فهم طبيعة الكون حولنا.

النموذج القياسي للجسيمات الأوّليّة

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/0/00/Standard_Model_of_Elementary_Particles.svg/360px-Standard_Model_of_Elementary_Particles.svg.png

 

ثالثًا) ظهور واكتشاف النيوترينو

في الواقع إن اكتشاف النيوترينو وسبر خصائصه لهو من أحد أهم الملاحم العظيمة للفيزياء، والتي استمرّت لما يقرب من مائة عام حتى الآن، ومع ذلك لم يتمّ إسدال الستار على الفصل الأخير من هذه الملحمة، فهي لا زالت مستمرّة، وتحمل في طيّاتها الكثير من الأسرار والمفاجآت التي ستكشف عنها السنوات المقبلة.

�������� تعود قصّة ظهور النيوترينو إلى دراسة ظاهرة التحلّل الإشعاعي المصحوب بجسيمات بيتا (β)، وجسيمات بيتا هنا هي مجرّد إلكترونات سالبة الشحنة. في هذا التحلّل الإشعاعي المصحوب بجسيمات بيتا تتحوّل نواة العنصر المُشِعّ A (النواة الأمّ) إلى نواة أخرى B (النواة الابنة أو الوليدة) تحمل نفسَ العدد الكتلي، ولكن العدد الذري يزيد بمقدار الواحد عن ذاك الذي للنواة الأمّ، حيث يمكن التعبير عن التحلّل من خلال التالي A B e. عند دراسة طاقة حركة الإلكترون المنبعث وُجِد أنها تمثِّل طيفًا من القيم المستمرّة تبدأ من صفر وتنتهي إلى طاقةٍ قصوى تعتمد على الفرق الضئيل بين كتلة كلٍّ من النواة الأمّ والابنة، وقد تمّ قياس طيف الطاقة المنبعث للإلكترون على يد العالِم الإنجليزي جيمس تشادويك عام 1914. تُمثِّل هذه النتيجة في حدّ ذاتها كارثةً إذ أن طاقة الإلكترون المنبعث يجب أن تكون قيمةً واحدةً وليس طيفًا متّصلًا من القيم كما يحتِّم بذلك مبدأُ حفظ الطاقة [1] الذي يُعدّ من أحد أهمّ المبادئ في الفيزياء، ويسري على التحلّلات الإشعاعيّة الأخرى المصحوبة بانبعاث أشعة جاما (γ) وجسيمات ألفا (α)، وقد أصبح هذا الأمرُ لغزًا يحتاج إلى تفسير.

undefined

الطيف المتّصل للإلكترون الصادِر في تحلّل بيتا

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/2/2b/RaE1.jpg/330px-RaE1.jpg

 

�������� في عام 1930، قدّم باولي عالِم الفيزياء النمساوي الشهير حلًّا يائسًا لهذه الأزمة بافتراض وجود جسيمٍ ثالثٍ في نواتج التحلّل غيرِ مرئيٍّ، ويشارِك الطاقةَ مع الإلكترون وبالتالي يمكن إنقاذ مبدأ حفظ الطاقة من الانتهاك. هذا الجسيم الافتراضي يجب أن يكون عديمَ الشحنة الكهربائيّة نتيجةً حتميّةً لمبدأ حفظ الشحنة، الذي يُعدّ أيضًا من المبادئ المهمّة في الفيزياء. يمكن الاستدلال أيضًا بسبب الفرق الصغير بين كتلة كلٍّ من النواتَين الأم والابنة ومن قيم الطاقة المرصودة للإلكترون في هذا التحلّل على صغر كتلة هذا الجسيم الافتراضي إلى درجة الانعدام. يمكن الآن التعبير عن التحلّل الإشعاعي كالتالي: A B e ν، حيث (ν) يمثّل الجسيم المتعادل الذي سوف يشارك الإلكترون في الطاقة وبالتالي يتمّ حلّ مشكلة حفظ الطاقة، ويصبح بالإمكان لِطَيف طاقةِ الإلكترون المنبعث أن يكون طيفًا مستمرًّا من الصفر إلى قيمةٍ قصوى معيّنة.

�������� كان باولي يعتقد أن هذا الجسيم المتعادل ν هو أحد مكوّنات النواة، وفي ذلك الوقت لم يكن قد تمّ اكتشاف النيوترون، لكن لاحقًا في عام 1932 تمّ اكتشاف النيوترون على يد جيمس تشادويك الذي قابلناه سابقًا، وتبيّن أن له كتلةً تقارب كتلة البروتون، وبالتالي فإن النيوترون ليس هو الجسيم ذو الكتلة الصغيرة الصفريّة الذي اقترحه باولي.

�������� في عام 1934، يقوم عالِم الفيزياء الإيطالي إنريكو فيرمي بوضع نظريّة للتحلّل الإشعاعي المصحوب بانبعاث جسيمات بيتا. يكمن فحوى النظريّة في أن النيوترون هو الذي يتحلّل إلى بروتون وإلكترون وإلى الجسيم المتعادل الذي افترضه باولي من قبل، بحيث يمكن التعبير عن التحلّل كالتالي:

n p e ν

وفي نظريّة فيرمي يمكن أن تتفاعل الأجسام الأربعة كلّها عند نفس النقطة في المكان ونفس اللحظة الزمنية. يمكن التعبير عن ذلك بالرسم التالي:

تحلّل بيتا وفق نظريّة فيرمي

 

وقد صكّ فيرمي اسمًا لهذا الجسيم المتعادل وأطلق عليه اسم النيوترينو، وهو ما يعني النيوترون الصغير باللغة الإيطاليّة. من نظريّة فيرمي، يمكن حساب شدّة التفاعل وطيف الطاقة للإلكترونات المنبعثة ومقارنتها بالبيانات التجريبيّة. تستلزم هذه المقارنة أن التفاعل المسؤول عن التحلّل الإشعاعي المصحوب بانبعاث جسيمات بيتا يجب أن يكون ضعيفًا للغاية، ودرجة الضعف هذه كانت كفيلة بالقضاء على أيّة آمال بمحاولة اكتشاف النيوترينو لدرجة أنّ باولي عبّر سابِقًا عن هذا الإحباط في عام 1931 بقوله: "لقد ارتكبت شيئًا فظيعًا بافتراض جسيمٍ لا يمكن اكتشافه والإمساك به".

 

رابعًا) النيوترينو والقنبلة النووية، واكتشاف النيوترينُوات

الإمساك بالنيوترينو أمر صعب المنال إلى حدّ بعيد بشكل يدعو إلى اليأس والإحباط. إن تفاعل النيوترينو الضعيف للغاية يجعل الإمساكَ به شيئًا أقرب إلى الاستحالة، ولكن هذه الاستحالة قد تغدو قيد الإمكان إذا تعاملنا مع عددٍ ضخمٍ جدًا بما فيه الكفاية من النيوترينوات. أين يوجد هذا العدد الضخم من النيوترينوات؟ يوجد عند تفجير قنبلة نووية، إذ إن عمليّة الانشطار النووي التي تتمّ أثناء التفجير النووي تؤدّي إلى انبعاث عدد ضخم من النيوترينوات. إذن يمكننا الإمساك بكاشِفٍ للنيوترينوات بالقرب من مكان تفجير قنبلة نووية، وهذا ما فكّر فيه بالفعل العالِمان فريدريك راينز وكليد كووان عام 1953، ولكنهما عدلا عن هذه الفكرة لأن هذه التجربة غير مأمونة، وأيضًا يصعب تكرارُها، ووجدا بعد ذلك أنه من الأنسب والأكثر أمانًا أن يتمّ إجراء التجربة بالقرب من أحد المفاعلات النووية والتي تُدار لأغراض الحصول على الطاقة. يعادل فيضُ النيوترينُوات المتدفّق من المفاعلات 1013 (أي عشرة آلاف مليار نيوترينو)لكل سم2 في كلّ ثانية، وهذا عدد ضخمٌ يُعزِّز فرصةَ الكشف عن النيوترينو.

�������� قد يتساءل المرء كيف نمسك بجسيم النيوترينو وهو متعادل كهربائيّاً وعديم الكتلة، إذ أن أساس عمل الكواشف هو الإمساك بالجسيمات المشحونة كهربائيًّا. من هنا تأتي فكرة الانحلال العكسي لبيتا والذي يمكن التعبير عنه كالتالي:

νe p n e+

حيث يتفاعل جسيم النيوترينو مع البروتون ويؤدي إلى تخليق النيوترون والجسيم المُضادّ للإلكترون e+ (وهو ما يُسمّى بالبوزيترون). يمكن الإمساك بهذا الإلكترون المُضادّ ولكنه لا يلبث طويلًا فبمجرّد أن يصادف إلكترونًا عاديّاً فإن كلّا منهما يفني الآخر ويصدر انبعاث من أشعة جاما. هذه النبضات الضوئيّة يمكن رصدُها باستخدام مُضاعفات ضوئيّة، وبالتالي يكون هذا دليلًا على وجود النيوترينو. نحن لا نرى النيوترينو مباشرة ولكن عند تفاعله مع المادة ينتج لنا اللبتون المشحون المرافِق له وهذا ما نمسك به.

�������� لقد قام كلّ من راينز وكووان بتنفيذ هذه التجربة، وكان الكاشف المُستخدَم عبارة عن كميّة ضخمة من المياه تعادل أربعة آلاف لِتراً من المياه. تُشكِّل أنويةُ الهدروجين في هذا الماء البروتونَ الذي سيتفاعل مع جسيم النيوترينو. بالإضافة لهذا الماء، توجد أيضًا مادّة كلوريد الكادميوم التي تكشف عن وجود النيوترون الخارِج من تفاعل النيوترينو مع المادّة، ويكون هذا مصحوبًا بومضة ضوئيّة. هناك إذن ومضتان من الضوء، واحدة مصحوبة بالإلكترون المُضادّ والأخرى بالنيوترون، ويوجد ترابطٌ زمنيّ مميِّز بينهما. ولا ننسى في هذا الخضمّ أن هذا الكاشِف تمّ وضعُه على عمق اثنَي عشر مترًا تحت الأرض من أجل حجب تأثير الأشعة الكونيّة حتى لا تتداخل تفاعلاتُها مع تفاعل النيوترينو.

�������� بهذه الطريقة، تمّ اكتشاف النيوترينو عام 1956 بواسطة كلّ من راينز وكووان، وقد أبرق كلاهما إلى باولي لإخباره عن اكتشاف الجسيم الذي كان قد افترضه قبل خمسة وعشرين عامًا، فقام باولي بالردّ عليهما بقوله "ينال كلَّ الأشياء من يُحسن الصبرَ والانتظار". لقد نال فريدريك راينز جائزة نوبل عن هذا الاكتشاف عام 1995 أي بعد قرابة أربعين عامًا من الاكتشاف، بينما لم ينل كليد كووان الجائزة لأنه كان قد تُوُفيّ عام 1974 ولم يكن محظوظًا لتطول به الحياة حتى ينال الجائزة.

راينز على اليسار وكووان على اليمين في مركز التحكّم بتجربة الكشف عن النيوترينو

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/5/53/Clyde_Cowan.jpg/330px-Clyde_Cowan.jpg

 

�������� لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فخلال الأعوام التالية بعد عام 1962 تمّ اكتشاف نوع آخر من النيوترينو وهو نيوترينو الميون على يد كلّ من ليدرمان وشوارتز وشتاينبرغر، حيث تمّ منحهم جائزة نوبل عام 1988، وأخيرًا في عام 2000 تمّ اكتشاف النوع الثالث من النيوترينو وهو نيوترينو التاو بواسطة تعاون ضخم من خلال تجربة أُجريت في معمل فيرمي في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

 

خامسًا) النيوترينو من السماء

����ممّا سبق نرى أن النيوترينو قد تمّ اكتشافه من خلال مصادِر أرضيّة، فلماذا لا نتطلّع إلى السماء كمصدر للنيوترينو مستلهمين قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

واطلبوا المجد على الأرض فإنْ�� هِيَ ضاقت فاطلبوه في السماء.

هذا ما فعله بالضبط راموند دافيز ليس بدافع شاعريّ، ولكن بدافع علميّ، فهو يعلم أن الشمس حسب النموذج الشمسي المُعتمَد تُنتِج الطاقة والضياء والحرارة من خلال سلسلة من التفاعلات النووية الاندماجية المعقّدة، والتي تؤدّي أيضًا إلى إنتاج نيوترينو الإلكترون فقط، بمعنى أن الشمس هي مصدر لنيوترينو الإلكترون. ويمكننا حسب هذا النموذج الشمسي المُعتمَد حسابُ فيض النيوترينو المُتوقَّع والذي يبلغ حوالي 1012 لكل سم2 في كلّ ثانية. بدأ راموند دافيز عملَه في أوائل الستّينات من القرن المنصرم بإعداد التجربة في أعماق أحد المناجم في الولايات المتّحدة الأمريكيّة على بعد حوالي 1.5 كيلومتر تحت الأرض لكي يتجنّب تداخلات الأشعة الكونيّة، وتمّ استخدام مئات الآلاف من ليترات سائل التنظيف كلوريد الكربون الرباعي، موضوعةً في خزّان كبير، كمادّة كاشفة للنيوترينو من خلال تفاعله مع الكلور. وكانت المفاجأة أن عدد تفاعلات النيوترينو التي تمّ رصدُها هي ثلث القيمة المتوقَّعة، وهذا يدلّ على أن عدد النيوترينوات القادمة من الشمس أقلّ ممّا هو متوقَّع حسب النموذج الشمسي المُعتمَد، ولكن راموند دافيز أصرّ على صحّة النموذج الشمسي المُعتمَد بعد إجراء الكثير من المراجعات والتدقيق لهذا النموذج. نحن هنا أمام خيارَين، فإمّا أن يكون النموذج الشمسي المُعتمَد خطأً، بينما يُصِرّ راموند دافيز على صحّته، وإمّا أن يكون هناك خطأٌ ما بالنسبة لفهمنا للنيوترينو. ماذا حدث للنيوترينو خلال رحلته الطويلة من الشمس حتى يصل إلينا على الأرض؟

 

تجربة دافيز ومشكلة النيوترينو الشمسي

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/e/e2/U.S._Department_of_Energy_-_Science_-_390_002_007_%289952118384%29.jpg/330px-U.S._Department_of_Energy_-_Science_-_390_002_007_%289952118384%29.jpg

 

�������� هناك مصدر سماوي آخر للنيوترينو، وهو طبقات الغلاف الجوّي للأرض على ارتفاع ما يقرب من خمسة عشر كيلومترًا. عند هذا الارتفاع، تتفاعل الأشعة الكونيّة -والتي تتكوّن أساسًا من بروتونات- مع الأنوية في الغلاف الجوّي وتؤدّي إلى كثيرٍ من جسيمات البيون المشحونة، حيث يتحلّل البيون إلى ميون ونيوترينو مصاحب له.يتحلّل الميون بدوره إلى إلكترون ونيوترينو الميون ونيوترينو الإلكترون، أي أنه لكلّ نيوترينو إلكترون يوجد اثنان من نيوترينو الميون، وهذا يعني أن نسبة تواجد نيوترينو الميون تبلغ ضعفَ نسبة نيوترينو الإلكترون في فيض النيوترينو الآتي من الغلاف الجوّي. وقد تمّ رصد هذه النيوترينوات بدءًا من منتصف الستّينات في تجارب أُجرِيت في أعماق المناجم كالمعتاد. ما لم يكن معتادًا هذه المرّة هو أن هذه التجارب لم تُجرَ في أوروبا أو أمريكا، ولكنها أُجرَيت في كلّ من الهند وجنوب أفريقيا، وقد وُجِد أن نسبة نيوترينو الميون إلى نيوترينو الإلكترون أقلّ من المتوقَّع، ولكن مع أخذ عوامل الخطأ في الاعتبار يمكن التغاضي عن عدم التوافق هذا، وبالتالي كانت النتيجةُ التجريبيّة المرصودة متوافقةً مع التوقّعات النظريّة.

�������� العامِلُ الحاسم في تأكيد هذا التوافق من عدمه أتى من ناحية غير متوقَّعة، ومن تجارب كانت مُصمَّمة خصّيصًا لاكتشاف تحلّل البروتون اُبتُدئ بتصميمها منذ بدايات الثمانينيّات من القرن المنصرِم. بالرغم من أن هذه التجارب لم تكشف أيّ أثرٍ لتحلّل البروتون، ولكنها استطاعت الكشف عن النيوترينُوات الجوّيّة، وذلك لأن الكشف عن الجسيمات الناتجة عن تحلّل البروتون هو نفسه يشابه الكشف عن الجسيمات الناشئة عن تفاعل النيوترينو مع المادّة. لقد أكّدت هذه التجارب أن فيض نيوترينو الميون أقلّ من المتوقّع ويساوي فيض نيوترينو الإلكترون وليس ضعفَه كما هو متوقَّع. تمّ ذلك في عام 1986 من خلال إحدى التجارب التي أُجريَت في اليابان وتُسمّى تجربة كاميوكاندي. وكالمعتاد، نُصِّبت التجربة في أعماق أحد المناجم هناك في اليابان، وكان جهازُ الكشف عبارةً عن خزّان مياه يحتوي على عشرات الآلاف من أطنان المياه مُحاطة بالآلاف من المُضاعِفات الضوئيّة. يعادل جهاز الكشف في ضخامته مبنىً من عدّة طوابق، ويبدو في هيئته وبوجود هذا العدد الضخم من المُضاعِفات الضوئيّة ككائن أسطوري خرافي. الُمضاعفات الضوئيّة هذه تقوم برصد الإلكترونات أو الميونات الناشئة عن تفاعل النيوترينو مع المادة وذلك عن طريق نوع معيّن من الإشعاع يُسمّى إشعاع تشيرِنْكوف يصدر عن هذه الجسيمات المشحونة عندما تسير داخل الماء بأعلى من سرعة الضوء خلاله.

Text Box:

نموذج لكاشِف كاميوكاندي

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/9/9f/Kamiokande89.JPG/330px-Kamiokande89.JPG

 

�������� من خلال تعاون دولي عالَمي يضمّ كلًّا من اليابان والولايات المتّحدة الأمريكيّة وكوريا والصين وبولندا وإسبانيا، تمّ إنشاء تجربة أخرى سُميَّت كاميوكاندي الفائقة. وحتى يتمّ رصد عدد أكبر من النيوترينوات مقارنةً مع التجارب السابقة، يتمّ هنا استخدامُ كميّة ٍأكبر من المياه وعددٍ أكبر من المُضاعفات الضوئيّة، وقد بدأ الإعداد للتجربة منذ أوائل التسعينيّات إلى أن أُجرِيَت عام 1996. وفي غضون عام 1998، وأثناء مؤتمر دولي عن النيوترينو، تمّ الإعلان عن النتائج والتي تؤكِّد أن فيض نيوترينو الميون أقلّ من المتوقَّع ويساوي فيض نيوترينو الإلكترون. إن هذه التجارب كما أكّدت ما هو متعلِّق بشأن النيوترينو الجوّي، فإنها أكّدت أيضًا ما هو متعلّق بشأن النيوترينو الشمسي وأكّدت ما تمّ رصدُه من قبل بواسطة راموند دافيز.

كاشِف تجربة كاميوكاندي الفائقة

https://www-sk.icrr.u-tokyo.ac.jp/en/sk/experience/gallery/#modal13

 

�������� وفي ضوء تلك الاكتشافات التجريبيّة تمّ منح راموند دافيز جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2002 وكان عمره وقتئذ سبعة وثمانين عامًا، حيث كان محظوظًا أن يطول به العمر إلى هذا الحدّ ويأخذ جائزة نوبل التي شاركه فيها عالِم الفيزياء الياباني كوشيبا المسؤول عن تصميم تجربة كاميوكاندي. وفي السنوات التالية، نال الجائزةَ عالِمُ الفيزياء الياباني كاجيتا تاكاكي وكان رئيس الفريق المسؤول عن تجربة كاميوكاندي الفائقة وشاركه فيها عالِم الفيزياء الكندي آرثر ماكدونالد الذي كان يقود فريقًا لتجربٍة تهدف إلى الكشف عن النيوترينو الشمسي في كندا حيث أكّدت أيضًا ما تمّ رصدُه سابقًا بواسطة دافيز.

دافيز عام 2001

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/a/a8/Raymond_Davis%2C_Jr_2001.jpg/330px-Raymond_Davis%2C_Jr_2001.jpg

 

�������� في الواقع، لن أستطيع ولضيق المساحة التحدُّث عن جميع التجارب التي أُجريَت بشأن النيوترينو الجوّي والشمسي وعن كلّ العلماء الذين ساهموا فيها، لذلك نعتذر للقارئ عن عدم الإحاطة الكاملة هذه ونذكّره بأن هذا الإغفال لا يدلّ على عدم الأهميّة بل إنني اضطررْتُ لذلك بسب ضيق المقال.���

 

سادسًا) النيوترينو وتغيير الهويّة (النكهة)

�������� كما رأينا ممّا سبق، تبيّن أن هناك مشكلتَين أو مسألتَين، تخصّ إحداهما النيوترينو الشمسي، بينما تتعلّق الأخرى بالنيوترينو الجوّي. في حالة نيوترينو الشمس، يكون فيض نيوترينو الإلكترون الذي يصل إلى الأرض صادِرًا عن الشمس أقلَّ من المتوقَّع، بينما في حالة النيوترينو الجوّي يكون أيضًا فيضُ نيوترينو الميون المرصود على سطح الأرض أقلّ من المتوقَّع. ماذا يحدث للنيوترينو عندما يرحل في الفضاء متّجهًا من الشمس أو من طبقات غلاف الجوّ العليا وصولًا إلى الأرض؟ هل يمكن أن يغيّر النيوترينو من هويّته وهو يرحل في الفضاء، بمعنى أنه يتحوّل من نوع لآخر؟

�������� هذا بالفعل ما اقترحه الفيزيائي الإيطالي برونو بونتيكورفو عام 1969. لتبسيط الفكرة، نفترض أن هناك نوعَين من النيوترينُوات، أحدهما المُصاحِب للإلكترون ونرمز له νeوالأخر المُصاحِب للميونνμ ، وكلاهما ذو هويّة محدّدة. لا تمتلك هذه النيوترينوات ذات الهويّة المُحدَّدة كتلةً مُحدَّدة. أمّا عن الحالاتِ ذاتِ الكتلةِ المحدَّدةِ القيم فنرمز لها بـ ν1للحالة ذات الكتلة m1، و بـ ν2للحالة ذات الكتلة m2. الحالة مُحدَّدة الهويّة هي عبارة عن تركيب خطّي كمومي من الحالات ذات الكتلة المُحدَّدة، ويمكن التعبير رياضيا عن ذلك كالتالي:

νe = ν1 cosθ + ν2 sinθ

νμ = -ν1 sinθ + ν2 cosθ

كما يمكن تمثيل هذا "الدوران" بالرسم كما يلي:

هذه الحالات من التراكب الكمومي تسمح بها نظريّة الكمّ، وتؤدّي إلى تأثيرات كمومية خالصة لا تظهر إلاّ في نطاق نظريّة الكمّ والنظم الخاضعة لها. من ضمن هذه التأثيرات ما يُعرَف بتغيير الهويّة، فمثلًا نبدأ بالجسيم νe وهو حالة تراكب ((ν1 cosθ + ν2 sinθ وعندما ننتظر بعضًا من الوقت فإن كلّاً من الحالتَين ν1 و ν2 تتغيّران مع الزمن بكيفيّتَين بسيطتَين ولكن غير متطابقتَين، وهذا يؤدي إلى تغيير حالة التراكب ذات الهويّة νe إلى حالة تراكب يمكن أن يتواجد فيها كلّ من νe و νμ. أي أننا قد نبدأ بحالة νe وبمرور الزمن قد يختفي νe تمامًا ويظهر بدلًا منه νμ أو خليطٌ (مزيج) يحتوي على كلّ من νe و νμ . وهذا يعتمد على الزمن بطريقة دوريّة من خلال دوالّ مثلثيّة، ولذلك يسمّي الفيزيائيّون هذه الظاهرة بتذبذب (اهتزاز) النيوترينو، وتُحدَّد سمات هذه الدوالّ الدوريّة من خلال زاوية الاختلاط θ والفروق بين مربّعَي الكتلة m22-m12 وطاقة النيوترينو. يختفي هذا التذبذب تمامًا في حالة انعدام الاختلاط، أي عندما تكون زاوية الاختلاط مساويةً للصفر θ = 0، أو عند تساوي الكتلتَين m1 = m2.

�������� يمكن بسهولة تعميم هذا التحليل عندما يكون لدينا ثلاثة أنواع من النيوترينو (νe, νμ, ντ)، وبالتبعيّة ثلاث حالاتٍ ذات كتلة محدّدة (ν1, ν2, ν3)، وفي هذه الحالة يكون لدينا ثلاث زوايا اختلاط بالإضافة إلى زوايا طور تكون مسؤولة عن الفرق بين سلوك المادّة والمادّة المُضادّة.

�������� في الواقع، إن التجارب التي كانت تُجرى على النيوترينو بشأن مشكلتَي النيوترينو الجويّة والشمسيّة كانت تأخذ بعين الاعتبار اهتزاز النيوترينو وتغيير هويّته، ومن بين هذه البيانات التجريبيّة يمكن تعيين زوايا الاختلاط، وبعض زوايا الطور، والفروق بين مربّعات الكتل.

�������� كانتالنتائج التجريبيّة تدلّ على أن زوايا الاختلاط كبيرة على النقيض من الاختلاط في قطّاع الكواركات، حيث زوايا الاختلاط صغيرة. إن زوايا الاختلاط في النيوترينُوات يمكن أن تبلغ ثلاثين درجة في حالة مشكلة النيوترينو الشمسي، وخمسة وأربعين درجة في حالة مشكلة النيوترينو الجوّي.

�������� أمّأ عن فروق مربّعات الكتل، فهي بالغة الصغر بحيث أنها مع اعتبارات أخرى تؤدّي إلى امتلاك النيوترينو لكتلة صغيرة جدًا. هذه الكتلة الصغيرة المتوقَّعة للنيوترينو أصغر من كتلة الإلكترون بحوالي مليون مرّة، ونذكر أن الإلكترون بحدّ ذاته يُعَدّ من أخفّ الجسيمات الأوليّة.

 

سابعًا) خاتمة وتحدّيات

ممّا سبق يتّضح لنا أن النيوترينو تفاعله ضعيف جدًا مع المادّة، ولكي يتسنّى لنا اكتشافه لا بدّ من بناء كواشف عملاقة تحتوي على كميّات ضخمة من الموادّ كالماء مثلًا.

�������� تستلزم تجارب اهتزاز النيوترينو أن تكون له كتلة والبيانات التجريبيّة تشي بصغر هذه الكتلة إلى حدّ مليون مرّة أصغر من كتلة الإلكترون، وهذا الصِّغرُ البالغ لكتلة النيوترينو بالنسبة للجسيمات الأوّليّة الأخرى يستصرخنا من أجل التفسير. وماذا عن هرميّة ترتيب الكتل (بمعنى الترتيب من الأصغر نحو الأكبر من ناحية الكتلة)؟ وهل هناك ثلاثة نيوترينُوات أم أكثر؟

�������� هل لعب النيوترينو دورًا فاعِلًا في تشكيل الكون حولنا؟ في الحقيقة، إن الكونَ حولَنا مليءٌ فقط بالمادّة، ولا توجد آثار ملحوظة عن تجمّعات من المادّة المُضادّة. حسب نموذج الانفجار العظيم لنشأة الكون، فإن الكون قد بدأ بمقادير متساوية من المادّة والمادّة المُضادّة، ولو استمرّ على هذا الحال لانتهى به المطاف إلى كونٍ مليءٍ بالفوتونات، وَلَما كنّا هنا الآن نتعجّب من نشأة الكون. لا بدّ من أن هناك ثمّةَ فروقٍ بين المادّة والمادة المُضادّة أدّت إلى هيمنة (سيادة) المادّة في كوننا الحالي. هل يمكن للنيوترينو أن يلعب دورًا مهمًّا هنا؟��

����� تستلزم هذه التحدّياتُ والمعضلات إجراءَ تجارب جديدة بأفكار مُبتكَرة، وبناءَ كواشف عملاقة أكبر حجمًا من سابقاتها، بغرض الإمساك بأعداد أكبر من النيوترينو، وذلك من أجل تحسين التحليل الإحصائي للنتائج التجريبيّة، وإعدادَ حزم كثيفة من النيوترينو يمكن ضبطُ طاقتها حسب رغبتنا، وذلك لأن دراسة تأثير طاقة النيوترينوات تُمكّننا من قياس أشياء كثيرة مهمّة.

هناك بالفعل الكثيرُ من التجارب يُعَدّ ليتمّ إجراؤه في المستقبل القريب حتى يتمّ فكّ شِفرة ذلك الجسيم اللغز الذي ظلّ يُدهشنا على قرابة مائة عام، وما زال في جعبته الكثير من المفاجآت.��� ��

ثامنًا) المراجِع

[1] Frank Close, (2010), Neutrino, Oxford University Press, Oxford

[2] Takaaki Kajita, (2010), Atmospheric neutrinos and discovery of neutrino oscillations, Proc. Jpn. Acad. Ser. B 86.



[1] بالطبع مبدأ مصونيّة كمية الحركة سارٍ ولم يكن هناك شك أو جدال حول ذلك.